|
التعريف
بالاستيطان:
أصبح الحديث عن موضوع الاستيطان الإسرائيلي في المناطق
الفلسطينية مسألة مألوفة كغيرها من القضايا الكثيرة
والمتنوعة التي تتداخل في تعقيداتها الاحتلالية القاسية
والوحشية مع النهج السياسي العملي المفروض على الشعب
الفلسطيني من خلال الممارسات القمعية التي تنتجها حكومة
الاحتلال وسلطاتها العسكرية، ومن أخطر هذه الممارسات
والسياسات على الإطلاق هي سياسة الاستيطان الاستعماري
الاحتلالي التوسعي على الأرض الفلسطينية داخل حدود 67،
وللدخول إلى صلب هذا الموضوع داخل الأراضي الفلسطينية
حيث تخلص إلى تعريفه على أنه (إحلال مواطني دولة
الاحتلال ـ مدنيين وعسكريين ـ وإسكانهم في الأراضي التي
تم احتلالها وذلك باستخدام القوة العسكرية في مصادرة تلك
الأراضي جبراً وقهراً. حيث يأخذ ذلك عدة أشكال منها
الاقتصادي والعسكري أو الإسكان المدني).
وبناءً على ما تقدم نجد أن مفهوم الاستيطان يقوم أساساً
على تفريغ الأرض من سكانها الأصليين وإحلال السكان الذين
ينتمون لدولة الاحتلال مكانهم عبر الوسائل التعسفية
والقهرية وما يرافق ذلك من مصادرة للأراضي العامة
والخاصة دون مراعاة لأي اعتبارات إنسانية أو سياسية أو
غيرها، "والتي تهدف إلى تقويض ركائز الوجود العربي
الفلسطيني الاقتصادية والسياسية والثقافية وليس غير
تصفية الوجود العربي في فلسطين هي المحطة التي ستتوقف
عنها عملية التهويد التدريجي المثابر للأرض الفلسطينية
والتي تواترت منذ احتلال الضفة والقطاع بل منذ بداية
النشاط الصهيوني في فلسطين. الاستيطان عدوان متواصل
أداته إرهاب الدولة وغايته تهويد كامل فلسطين".
أهمية الاستيطان إسرائيلياً :
لقد دأب الإسرائيليون وبشكل دائم على تعزيز الاستيطان
والتوسع فيه دون الالتفات إلى ما يعنيه ذلك من نهب
لخيرات الفلسطينيين وتجاوز لحقوقهم التي كفلها القانون
الدولي المحرم للاستيطان في الأراضي المحتلة لما فيه من
خرق لأبسط القواعد الواجب الحفاظ عليها بالنسبة للشعب
الواقع تحت الاحتلال حيث "تنبع الأهمية الاستراتيجية
للاستيطان الصهيوني في فلسطين من خلال كون هذا الاستيطان
يشكل العمود الفقري والتطبيق العملي للصهيونية واللبنة
الأولى لإنشاء الكيان الإسرائيلي في فلسطين، فإسرائيل
(كدولة) ما هي في الحقيقة إلا مستوطنة كبيرة قامت على
أساس غزو الأرض وطرد سكانها العرب وإنشاء كيان غريب عن
المنطقة العربية من خلال جلب المهاجرين اليهود من جميع
أنحاء العالم واستيطانهم فيها، ويرى الزعماء
الإسرائيليون في الهجرة اليهودية والاستيطان حلاً لجميع
مشاكل (إسرائيل) الأمنية من خلال خلق مؤسسة عسكرية قوية
مزودة بالعناصر البشرية، والاقتصادية من خلال توفير
الأيدي العاملة والأراضي اللازمة لإقامة المنشآت
الاقتصادية والسياسية من خلال ضمان الاعتراف والإقرار
بشرعية الأمر الواقع الذي يجسده الاستيطان في المناطق
المحتلة".
من هنا نرى أن الاستيطان يتصدر الأولويات الإسرائيلية
كأداة هامة وممارسة عملية للنهج الفكري الذي تقوم عليه
النظرية الصهيونية مدعمة بكل الوسائل التي من شأنها
تغيير الواقع من خلال التصرفات المكرسة بأعمال البناء
والإنشاءات واستقدام المهاجرين اليهود، ليكون لهم الغلبة
الديموغرافية على المساحة الجغرافية التي يقيمون عليها
"فما كان لإسرائيل أن تظهر إلى حيز الوجود لولا
التحويلات الجوهرية لسكان فلسطين وأهلها. فتغيير الطابع
العربي للأرض يتابع حالياً في الضفة الغربية وغزة رغماً
عن أهلها الأصليين. أما الوسائل المتبعة في ذلك، فتتمثل
في إنشاء شبكات رئيسة لمستعمرات يهودية".
"وقد عملت كل حكومات إسرائيل منذ قيامها على تهجير
اليهود من الدول إلى فلسطين وبذلت جهوداً كثيرة لذلك،
وقدمت تسهيلات لاستقدامهم، ووصل الأمر إلى تقديم مساعدات
للدول مقابل ترحيل اليهود، باعتبار أن تواجد العدد
الأكبر منهم في فلسطين سيعطي شرعية للكيان الذي أقيم، في
مقابل كسر التوازن أمام من تبقى في فلسطين".
"وتاريخياً، كانت المستعمرات تمثل التعبير العملي عن
مجهود قومي إسرائيلي يرمي إلى الحول دون تقرير
الفلسطينيين لمصيرهم غربي نهر الأردن. فالمستعمرات، أكثر
من أي تعبير آخر عن السياسة الإسرائيلية، وهي الدليل
الأساسي على نيات إسرائيل في المناطق".وعليه، نجد أن
المستوطنات الإسرائيلية تعتبر من الوسائل الاستراتيجية
الهامة لتحقيق الأهداف الإسرائيلية المستقبلية في إدامة
عمر الاحتلال وتكريس وقائعه الأمنية والعسكرية
والاقتصادية والسياسية التي تعطي للحكومات الإسرائيلية
أوراقاً جديدة ذات أبعاد مهمة كما أسلفنا، مضافاً إلى
ذلك ما يبرره الإسرائيليون من أبعاد دينية ودفاعية
استراتيجية.
وتعد قضية مستقبل المستوطنات في مناطق الضفة الغربية
وقطاع غزة واحدة من أهم القضايا الأساسية المتعلقة بين
إسرائيل والفلسطينيين، والتي تشغل بال الجمهور
الإسرائيلي بصورة كبيرة جداً، حيث أن الخلاف شديد في
أوساط الجمهور الإسرائيلي حول مستقبل مستوطنات المناطق
في التسوية النهائية، والواضح أن مستقبل المستوطنات
سيثير نقاشاً حاداً ليس فقط بين الإسرائيليين
والفلسطينيين، بل بين الإسرائيليين أنفسهم أيضاً، فمن
المتوقع أن إسرائيل ستشهد أزمة داخلية عنيفة جداً إلى أن
يتبلور في أوساطها السياسية والشعبية دعماً كافياً
للتوصل إلى أي من الحلول الممكن طرحها مستقبلاً.. خاصة
بعد الانتهاء على التصويت على خطة شارون للانسحاب من غزة
.
"ورغم غياب السياسة الواضحة في هذا الموضوع إلا أن
تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق اسحق رابين قد
أثارت المستوطنين ومؤيديهم، وتتلخص هذه التصريحات، بأن
المستوطنات خطأ تاريخي استنفذ موارد الدولة في أمور
سلبية، إن مؤسسي هذه المستوطنات يلزمونا بحكم شعب لا
يرغب بنا، إن بقاء السيطرة على المناطق سيؤدي إلى دولة
ثنائية القومية".
"ويسود الاعتقاد أن أغلب المستوطنين لا يرغبون في العيش
بصورة دائمة داخل الكيان الفلسطيني، وهي رغبة يتوجب
علينا تفهم أسبابها وتقديرها لأنهم لم يقطنوا في يهودا
والسامرة وقطاع غزة بهدف العيش في كيان سياسي عربي،
وإنما هدفهم ضم الأراضي التي يقطنون فيها إلى دولة
إسرائيل".
ولابد هنا من القول أن هذه الآراء أو لنقل هذه التحولات
إنما تولدت بعد اتفاقيات السلام الفلسطينية الإسرائيلية
بعد عام 1993، علماً أنها كانت من المحرمات التي يمنع
الحديث فيها أو النقاش حولها كموضوع قابل للتفاوض بين
العرب والإسرائيليين لدى معظم قادة الرأي السياسي في
إسرائيل باستثناء القلة القليلة من قيادات كتلة السلام
وغيرها من الأحزاب اليسارية، وتأكيداً لهذا يقول نتنياهو
حول هذه المسألة: "ولهذا، عندما طلبت الولايات المتحدة
تجميداً مطلقاً للاستيطان اليهودي في الضفة الغربية
وغزة، وضعت إسرائيل أمام الاختيار بين استيعاب المهاجرين
دون أموال الضمانات، وبين الشروع في العودة إلى الحدود
الخطيرة، حدود عام 1967. بعبارة أخرى الاختيار بين خنق
ديمغرافي، وخنق جغرافي. وفي هذه الحالة، لم يكن أمام
إسرائيل خيار حقيقي، إذ ليس بمقدورها الحياة ضمن حدود
ضيقة إلى هذه الدرجة. مثلما ليس بمقدورها التنازل عن
استيعاب أعداد جديدة من المهاجرين. وبالطبع، رفضت
إسرائيل هذا الاختيار".
وفي هذا وضوح تام بأن الإسرائيليين يقفون في موضوع
المستوطنات موقفاً متناقضاً كما تم عرضه من قبل قادة
الرأي السياسي وصناع القرار الإسرائيلي، وليس هذا
بمستغرب في هذا المجال، إذ أن هذه المسألة شكلت ولا زالت
خلافاً حاداً إلى هذه اللحظة مع بعض التعديلات الطفيفة
التي طرأت على مواقف حزب العمل وتحديداً في المفاوضات
التي جرت في كامب ديفيد 2 عام 2000 وبقيادة رئيس حزب
العمل آنذاك أيهود باراك الذي طرح حلولاً تعتبر في الوعي
السياسي التفاوضي بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي
حلولاً متقدمة وقابلة للتطور من خلال عوامل الرفع والدفع
المساعدة على خلق الأجواء السياسية والشعبية لبلورة
الموقف الإسرائيلي الذي من شأنه أن يخلق اسقاطات سياسية
منتجة في النقاش والجدل الدائر حول مستقبل المستوطنات في
الضفة الغربية وقطاع غزة. ، "فعندما تحمل إسرائيل على
وقف الاستيطان فذلك إقرار قسري بأنها دولة محتلة. هذا
أولاً. وثانياً، إن قضية الاستيطان تشكل القضية الحارة
والمستقطبة للاهتمام الدولي، باعتبارها العقبة في وجه
التسوية السلمية والتركيز عليها في الخطاب السياسي
الفلسطيني يستقطب الدعم والمساندة. وثالثاً، يمكن، من
خلال التركيز على الاستيطان والمستوطنين، عزل هذه
الشريحة عن بقية المجتمع الإسرائيلي والاستحواذ على دعم
التيار الرئيس داخل المجتمع الإسرائيلي"
لمحة تاريخية عن الاستيطان من 1967-1992 :
الاستيطان الإسرائيلي بين عامي 1967-1992: بدأت الجرافات
الإسرائيلية وقبل وقف إطلاق النار بتهجير سكان القرى
العربية (يالو، عمواس، بيت نوبا) وتدميرها بالإضافة إلى
تدمير جزء من مدينة قلقيلية وبيت عوا. ولكن التدمير الذي
أصاب القرى الثلاث كان كبيراً بحيث تم مسحها عن الأرض من
أجل السيطرة على ما يزيد عن 58كم2 من الأراضي، وتم إقامة
مستعمرة جديدة على هذه الأراضي واستغلالها للزراعة لتبدأ
في نفي الوقت عملية هدم حي الشرف في مدينة القدس لإقامة
الحي اليهودي. في ضوء السياسة الإسرائيلية آنذاك والتي
كانت ترغب بتعديل حدودي مع ضم جزء من الأراضي إلى
إسرائيل (القدس، اللطرون، منطقة غوش عتصيون) واعتبار
إسرائيل منطقة الغور منطقة آمنة.
الاستيطان الإسرائيلي بين عامي 1967-1974: كانت حكومة
حزب العمل آنذاك برئاسة ليفي اشكول، وبعدها جولدامائير
قد أقامت تسع مستعمرات في غوش عتصيون وغور الأردن وهي
تعادل 82% من المستعمرات التي أقيمت آنذاك وعددها إحدى
عشرة مستعمرة وتشكل 8% من مجموع المستعمرات اليوم،
ومستعمرة واحدة على أراضي القرى العربية المدمرة (يالو،
بيت نوبا، اللطرون)، في حين لم يتم إقامة أي مستعمرة في
الضفة الغربية وقطاع غزة في تلك الفترة.
الاستيطان الإسرائيلي بين عامي 74-1977: في هذه الفترة
كانت الحكومة العمالية برئاسة رابين قد استثمرت نتائج
حرب تشرين في تصعيد السياسة الاستيطانية فأقامت تسع
مستعمرات جديدة وهي تشكل 6.5% من مجموع المستعمرات
اليوم. وارتفع عدد المستوطنين إلى 2876 مستوطن 0.3% من
مجموع السكان في الضفة الغربية. وقد تركز الاستيطان في
غوش عتصيون وغور الأردن 6 مستعمرات وهي تعادل 66%، كما
أقيمت مستعمرات في منطقة القدس الكبرى ومستعمرة في منطقة
الضفة الغربية. ولا ننسى في هذه الفترة بأن الاستيطان في
مدينة القدس قد تركز بإقامة الحي اليهودي ومستعمرة التلة
الفرنسية، نفي يعقوب، وتل بيوت الشرقية، جيلو، راموت،
ورامات اشكول، ومعلوت دفنا.
الاستيطان الإسرائيلي بين عامي 1977-1986: شهدت هذه
الفترة تحركاً يمينياً قاده عتاة الليكود ممثلين ببيغن
وشامير. فأقيمت ثلاث وأربعون مستعمرة شكلت 31% من مجموع
مستعمرات اليوم وارتفع عدد المستوطنين إلى 28400 مستوطن
بزيادة بلغت 115% (15176 عدد المستوطنين). وشكل
المستوطنون ما نسبته 2.2% من مجموع عدد سكان العرب
البالغ آنذاك (1294700)، وقد أقيم 53% من هذه المستعمرات
في مناطق مكتظة بالسكان في منطقة نابلس ورام الله و32.5%
من هذه المستعمرات أقيم في قطاع غزة وجبل الخليل و14% في
غور الأردن ومستعمرة واحدة أقيمت في منطقة غوش عتصيون
الموسعة.
الاستيطان الإسرائيلي بين عامي 86-1988: في هذه الفترة
ونتيجة للأزمة السياسية في إسرائيل قد تشكلت حكومة
ائتلافية من الحزبين الكبيرين حيث تم إقامة سبع وعشرين
مستعمرة تشكل 20% من مجموع المستعمرات اليوم وارتفع عدد
المستوطنين إلى 69500 مستوطن بزيادة 14% وارتفع عدد
المستوطنين إلى 4.4% من مجموع السكان العرب أما منطقة
القدس فقد شهدت إقامة مستعمرات جديدة أهمها (بسغات زئيف
الشمالية، والجنوبية). أما في منطقة الضفة الغربية فقد
أقيم 59% من هذه المستعمرات في منطقة نابلس ورام الله
بالقرب من المناطق العربية الكثيفة السكان، 29.6% في
قطاع غزة وجبل الخليل.
الاستيطان الإسرائيلي بين عامي 88-1990: استمرت الحكومة
الائتلافية الوطنية الإسرائيلية في سياسة الاستيطان
فأقيم في هذه الفترة خمس مستعمرات شكلت 3.6% من مجموع
المستعمرات وارتفع عدد المستوطنين إلى 81200 نسمة وبلغت
نسبة المستوطنين 2% من المجمع العام للسكان بالضفة
الغربية.
وقد توزع بناء المستعمرات في هذه الفترة إلى ثلاث
مستعمرات في منطقة رام الله ومستعمرة في جبل الخليل
ومستعمرة في غوش عتصيون.
الاستيطان الإسرائيلي بين عامي 90-92: اشتدت الحركة
الاستيطانية في فترة رئيس الحكومة الليكودي اسحق شامير
الذي كان يجسد الفكر الصهيوني الاستيطاني. ففي هذه
الفترة تم إقامة سبع مستعمرات شكلت 5% من مجموع
المستعمرات اليوم وارتفع عدد المستوطنين إلى 107,000
مستوطن وبلغ عدد المستوطنين 5.3% من المجموع العام لسكان
الضفة الغربية. وقد توزعت إقامة المستعمرات في جميع
أرجاء الضفة الغربية ما عدا منطقة رام الله، وغور
الأردن".
وإكمالاً للسرد التاريخي الذي قسم الاستيطان على عدة
مراحل محصورة ما بين عامي 1967-1992 فإننا نورد بعض
التقديرات الإسرائيلية التي جاءت عقب عام 1992 حيث "قدرت
مصادر الجيش الإسرائيلي عدد المستوطنين في عام 1993
بـ 140 ألف مستوطن منهم 120 ألف مستوطن مؤقت (مثل الطلاب
وما شابه ذلك). فيما قال أحد زعماء المستوطنين أن عددهم
يصل إلى 130 ألف مستوطن، وفي وثيقة رسمية صادرة عن مجلس
المستوطنات قدر عددهم بـ 415,136 مستوطن حتى بداية عام
1994 موزعين على 145 مستوطنة. أما مركز الإحصاءات
الإسرائيلي (نشرة إسرائيلية رسمية) فقد ذكر أن عدد
المستوطنين بلغ 104,800 مستوطناً يهودياً حتى نهاية عام
1992 منتشرين في 120 مستوطنة في يهودا والسامرة. أما
قطاع غزة فقد بلغ عدد المستوطنين فيه 4300 مستوطن موزعين
على 14 مستوطنة. ولأن بحثنا لا يتحدث عن أعداد دقيقة
فإننا نكتفي بتقدير عددهم بـ 120 ألف مستوطن يهودي في
الضفة الغربية وقطاع غزة مشكلين 6.7% من مجموع السكان
(1.8 مليون عربي) و2.3% من مجموع سكان إسرائيل".
ومع ذلك لم يتوقف الاستيطان ولم تتوقف الممارسات
الاستيطانية التوسعية إلى يومنا هذا، "وفي ظل انتفاضة
الأقصى المجيدة المتواصلة التي فتحت النقاش واسعاً حول
الاستيطان والمستوطنين وممارساتهم الإرهابية ضد شعبنا،
وهو نقاش امتد ليشمل كل الأوساط السياسية والإعلامية
والحزبية في إسرائيل نفسها ـ ربما لأول مرة على هذا
المستوى من الانفتاح ـ الأمر الذي يدل بما لا يدع مجالاً
للشك أن معركة الدفاع عن الأرض في وجه الاستيطان يجب أن
تتواصل حتى كنس الاحتلال عن الأراضي الفلسطينية المحتلة
عام 67 بما في ذلك القدس الشرقية وتدمير وإزالة البنية
الاستيطانية من هذه الأراضي تحقيقاً لقيام دولة فلسطينية
مستقلة سيادية عليها خالية تماماً من أي مستوطنة أو
مستوطن".
المستوطنات: يقع على عاتق الحكومة الإسرائيلية المساهمة
في إعادة بناء الثقة من خلال تجميد بناء المستوطنات، إذ
من الصعب جداً وقف العنف الإسرائيلي الفلسطيني إن لم
يتحقق ذلك، كما يجب على الحكومة أن تأخذ في الاعتبار
قضية المستوطنات وتحدد إن كانت ستستخدمها في المستقبل
كورقة مقايضة جوهرية أم أداة استفزاز حقيقية تعوق أي
محادثات مستقبلية مثمرة.
سواء بقى شارون فى السلطة ام تغير ..
لاشك في أن القضية خلافية، سيعتبر الكثير من
الإسرائيليين توصياتنا مجرد بيان يصف أموراً واضحة ليست
بحاجة للتوضيح، وسيدعمونها، وسيعارضها الكثيرون، لكن
الأنشطة الاستيطانية يجب ألا يسمح لها بتقويض عودة
الهدوء واستئناف المفاوضات. لقد حصلت إسرائيل على دعم
الولايات المتحدة خلال نصف قرن من وجودها، وقد أدلت
واشنطن بصوتها في المحافل الدولية لمصلحة إسرائيل مرات
كثيرة، لكن حتى في علاقات وثيقة كهذه ثمة خلافات، أبرزها
معارضة واشنطن لسياسات الحكومة الإسرائيلية الاستيطانية،
وعلق وزير الخارجية الأمريكي، جايمس بيكر في 22 مايو
1991 في الكونغرس: كل مرة أذهب فيها إلى إسرائيل للبحث
في عملية السلام يواجهني الإعلان عن بناء مستوطنات
جديدة، هذا يخالف سياسة الولايات المتحدة، وهذه القضية
الأولى التي يثيرها العرب والحكومات العربية
والفلسطينيون في الأراضي (المحتلة) حين نتحدث إليهم، ولا
أعتقد أن هناك عقبة أكبر من الأنشطة الاستيطانية والتي
لا تفتر، بل تستمر في وتيرة حثيثة.
يذكر أن السياسة التي وضعها بيكر، بالنيابة عن إدارة
الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش الاب ، كانت السياسة
المتبعة لكل إدارة أمريكية لربع قرن مضى، كما انتقدت
معظم البلدان، مثل تركيا والنرويج وبلدان الاتحاد
الأوروبي، الأنشطة الاستيطانية، واعتبرت أنها غير
مشروعة، وفقاً للقانون الدولي، وأنها تنتهك الاتفاقات
السابقة.
ـ جرى نقاش موضوع الاستيطان بشكل واسع داخل إسرائيل،
وجاء في صحيفة هآرتس، بنسختها الإنجليزية في 10 أبريل
2001 "إن حكومة تقول أن هدفها هو التوصل إلى حل للنزاع
مع الفلسطينيين بالوسائل السلمية، وإنها تحاول حالياً
وضع حد للعنف والإرهاب، عليها أن تعلن نهاية البناء في
المستوطنات".
ـ الظروف في المنطقة الآن مختلفة جداً عن تلك التي كانت
قائمة منذ 20 سنة. ومع ذلك تبقى كلمات الرئيس ريجان
صالحة للاستخدام: "إن تبني إسرائيل لتجميد فوري
للمستوطنات، وأكثر من أي أمر آخر، قد يخلق الثقة
الضرورية الآن".
ـ إضافة إلى ما يتصف به وقف الاستيطان من قدرة على بناء
الثقة، نشير إلى أن العديد من المواجهات التي حدثت خلال
هذا الصراع جرت عند نقاط يلتقي فيها الفلسطينيون
بالمستوطنين وبالقوات الإسرائيلية التي تحمي هؤلاء
المستوطنين، سيكون من الصعب جداً الاحتفاظ في آن معا
بالسلام وبنقاط التماس هذه.
ليس عبثاً كما هو واضح من النص السابق بأن يعمد القائمون
على إخراج هذا التقرير بالإشارة الدائمة إلى المواقف
الدولية الخاصة بالاستيطان، وخصوصاً الموقف الأمريكي،
لما يحمل في طياته من تأكيد مطلق للحساسية المفرطة التي
يخلقها وجود الاستيطان والمستوطنين على الأراضي
الفلسطينية فقد "أصبح المستوطنون، الذين يراهم قسم ليس
قليلاً من الرأي العام الإسرائيلي، عقبة حقيقية في
الطريق إلى السلام، وعنصراً مقيتاً مع السنين،
واضح على المضي قدماً في مشروع الصمود رغم قسوته لتحقيق
الاستقلال الوطني بكل متطلباته وشروطه الوطنية التي
تلاقي الإجماع الوطني والتلاحم العضوي بين كافة الشرائح
والمؤسسات التي يتكون منها الكيان الفلسطيني في الوطن
والشتات متسقاً في ذلك مع الحالة المعنوية والنضالية
التي يعيشها أبناء شعبنا والتي تزداد وتيرتها مع تقديم
المزيد من الشهداء والتضحيات دون ظهور علامات الإعياء أو
التعب أو حتى مجرد التفكير بالتخلي عن أي جزء من المشروع
الوطني الفلسطيني الذي ترفده انهار الدم النازفة من
أجساد الشهداء والجرحى دون أن تثخنهم هذه الجراح أو تجعل
لليأس والإحباط إليهم سبيل، وعلى العكس من ذلك فقد بدأت
الانتفاضة بذاتها تصنع برنامجها في النضال والمقاومة
والذي ركز بالدرجة الأولى على ضرب المستوطنين أينما
كانوا، في الشوارع، في المستوطنات، في المصانع، وفي كل
مكان تطالهم فيه يد المقاومة، وقد تجلت هذه الصورة من
خلال كافة البيانات التي أصدرتها القوى الوطنية
والإسلامية ضمن برنامجها الخاص بقيادة الانتفاضة سياسياً
وما ترافق مع ذلك من بيانات أصدرتها الأجنحة العسكرية
التابعة لهذه القوى.
إن وجود المستوطنين على الأرض الفلسطينية سبب كما قلنا
حالة من النقمةالدائمة عليهم، إذ ارتبطت عملية المواجهات
مع الجيش الإسرائيلي في أحيان كثيرة نتيجة وجود هذا
الجيش لحراسة المستوطنين والحفاظ على أمنهم، "الأمر الذي
دفع بالانتفاضة الفلسطينية الانتقال إلى مرحلة جديدة،
حيث تمكنت مجموعاتها الصغيرة، من السيطرة على الطرق
الالتفافية بين المستوطنات الإسرائيلية عن بعد والحد من
حرية حركة المستوطنين والقوات الإسرائيلية، وعوضاً من أن
تسهل هذه الطرق حرية الحركة للمستوطنين باتت مقتلاً
وفخاً لهم. مما دفع بالمستوى الأمني العسكري الإسرائيلي
إلى منح المستوطنين تسهيلات معلنة، لمهاجمة الفلسطينيين،
بعد أن كانت القوات الإسرائيلية تظهر نفسها وكأنها تمنع
المستوطنين من أن يأخذوا القانون بأيديهم، رغم ذلك، أثبت
المستوطنون كفاءة محدودة للغاية في هذه المواجهات ولم
تنفع كافة وسائل الدعم العسكري (القانوني) في قدرتهم على
المواجهة".
"وفي هذه الأثناء، وكما تمت الإشارة إليه آنفاً، بدأ
يظهر تحول خلال الشهر الثاني للانتفاضة بعيداً عن
الحصيلة اليومية من المتظاهرين الشباب عند محاور الاتصال
بين المنطقة أ و المنطقة ب (وهي في معظم الأحيان، حدود
المراكز المدنية ومشارف مراكز الجيش الإسرائيلي) إلى
عمليات ضاربة ضد المستعمرات والمستوطنين، أما الحصيلة
الصافية لهذا التحول فكانت ازدياد في عدد الإصابات
والوفيات الإسرائيلية، وتغيراً نوعياً في نسبة الوفيات
الإسرائيلية إلى نسبة الوفيات الفلسطينية، وهكذا فإن
الهبة التي بدأت انتفاضة من أجل الأقصى وسيادة
الفلسطينيين على القدس بدأت تتحول بالتدرج إلى معركة من
أجل المستعمرات، ومن الواضح أن الخطاب الفلسطيني قد تصلب
حيال إخلاء المستعمرات كلياً".
التدهور الأمني:
جاء في صحيفة معاريف أن: "اقتراح القانون الذي سيطرح
للتصويت بالقراءة التمهيدية بادرت إليه النائبة عينات
ميئور من ميرتس وقالت: "إنه بسبب الوضع الأمني المتدهور
ثمة اليوم عائلات كاملة معنية بالإخلاء طوعاً مقابل
تسوية بديلة ملائمة داخل الخط الأخضر. والموافقة على
القانون يمكنها من تحسين أمنها والمساعدة في دفع المسيرة
السلمية". وعلى الرغم من الوصف السابق والمحاولات الجادة
لتوضيحه من قبل العديد من الإسرائيليين بل والحديث الجاد
الذي ينم عن فشل الجيش الإسرائيلي في فعل أي شيء للإبقاء
على الشعور الأمني لدى المستوطنين فنجد أن "إجراءات
أمنية عديدة اتخذها الجيش الإسرائيلي لحماية المستوطنين،
لم تفلح الحكومة حتى في تخفيض نسبة القتل بينهم، فقد عزز
الجيش قواته بكثافة حول المستوطنات، وحول بعضها إلى
ثكنات عسكرية وتم تسليح المستوطنين للدفاع الذاتي،
واستئجار شركات الحراسة، ومنعهم من التحرك في طرق معينة،
بعد أن تحولت الطرق الالتفافية إلى مصائد للمستوطنين
ومنع الفلسطينيون من المرور من بعض الطرق، إلا أن كل ذلك
لم ينجح في تحقيق الأمن للمستوطنين، وتحولت المستوطنات
إلى نقطة ضعف كبيرة في جسد الدولة".
الصورة الواضحة الآن هي الرعب المتواصل والحالة النفسية
الصعبة التي يعيشها المستوطنون والتي لا تكاد تخفى الآن
على أحد إذ "أن المستوطنين، أعيننا الناظرة يتظاهرون كما
لو أنهم يتميزون بثقة عالية بالنفس. إنهم يرضعون من
الدولة ويركلونها، كما لو كان لهم حياة بدونها. ولكن
الحقيقة هي أنه من تحت قناعهم الابتزازي يختفي رعب مخيف
وأحياناً يصل إلى حد الهستيريا، رعب الموت الذي يميز
الأشخاص الذين يعيشون في وقت بدل الضائع"،وبدون تردد
نستطيع القول حول كل ما سبق: إن شعور المستوطنين بانعدام
الاستقرار الأمني وقناعتهم المتزايدة يوماً إثر يوم بعدم
قدرة الجيش الإسرائيلي على حمايتهم مهما بذل من قوة في
سبيل ذلك، دفعت الكثير من الأصوات لتشق طريقها بين ثنايا
المجتمع الإسرائيلي على مختلف الأصعدة مطالبة بالرحيل
والجلاء من المستوطنات، وسنرى ذلك من خلال الرصد المباشر
لوجهات النظر حول هذا الموضوع فمنهم من قال: "المواطنون
الذين يعيشون في خطر يستحقون حماية دولتهم، ولا يوجد
لإسرائيل ولن يكون أي جواب حقيقي على الخطر الذي يحدق
بحياتهم باستثناء إجلائهم من هناك"، ونجد أن الحديث في
نفس السياق يتكرر بالقول: "الآن بدأت الأصوات تسمع بشكل
أكثر وضوحاً وصراحة. ففي الأشهر الأخيرة وردت مثل هذه
الأفكار بالمغادرة من خلال صحيفة هآرتس عن مستوطنين في
غوش قطيف ومستوطنة حومش في جنين، الدراسة التي أجرتها في
شهر مارس الأخصائية النفسية الدكتورة نيتسا كاليش كشفت
النقاب عن حقيقة أن ثلث الشبيبة في المستوطنات ترغب
بمغادرة يشع (أي يهودا والسامرة وغزة)".
بل إن الأمور أبعد من ذلك بكثير، حيث وصلت إلى حد وصف
الخطورة الأمنية في المناطق الفلسطينية وعدم القدرة على
درء آثارها "بالعجز الأمني" الذي جاء على لسان غيء باخور
الذي يقول: "ولكننا لا يمكن أن نستمر في ظل العجز الأمني
السائد اليوم لذلك آن الأوان لشيء جديد، آن الأوان لحلول
أحادية الجانب بإمكان إسرائيل اتخاذها". واستمرت
الانتفاضة واستمر معها رحيل المستوطنين عن الأرض
الفلسطينية ومن أكثر من منطقة، حيث نشرت الأخبار
المتلاحقة التي تشير إلى موجة الهجرة من قبل المستوطنين
من المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية "فمنذ
بداية الانتفاضة رحلت عشرات العائلات من المستوطنات في
غور الأردن والوضع الاقتصادي للسكان الباقين آخذ
بالتفاقم. منذ بداية الأحداث الأمنية اضطر سكان الغور
لمواجهة مشاكل أمنية صعبة وبالمقابل تضرر فرع الزراعة
بصورة جسيمة، أعلن الكثير من السكان إفلاسهم.. ويبدو أن
الوضع صعب جداً خاصة في المستوطنة العمالية غاتيت
الواقعة في السفوح الجبلية الوسطى، حيث جاء في القناة
الثانية أمس أن 22 عائلة ـ أي أكثر من نصف العائلات في
المستوطنات ـ تركت بيوتها وانتقلت إلى داخل الخط الأخضر،
وحذر رئيس مجلس غور الأردن دافيد ليفي في الأشهر الأخيرة
أن مستوطنات الغور على وشك الإفلاس وأنه بدون مساعدة من
وزارات الحكومة المختلفة سينتهي الاستيطان في الغور، فقط
قبل أسبوع تلقى رئيس المجلس نبأ مفاده أن صندوق المرضى
ليئوميت معني بإغلاق عدة فروع مستوطنات غور الأردن بسبب
الوضع الأمني والخوف على الطواقم الطبية الذين يصلون إلى
الغور على متن سيارات محصنة".
يتضح مما سبق أن جهود الحكومة الإسرائيلية ووزارة دفاعها
العاملة على اتخاذ الإجراءات الأمنية حتى لو كان ذلك من
قبل مقدمي الخدمات لم ينجح في إبقاء المستوطنين في
مستوطناتهم أو حتى المساهمة في التخفيف من حدة الهجرة
والرحيل عنها، "فمعظم سكان مستوطنة سانور ـ 28 من بين 35
عائلة ـ غادرت المستوطنة وذلك بعد أن أغلق الشارع الذي
يربط سانور وحومش بسبب الوضع الأمني، وإغلاق الشارع أدى
إلى وقف زيارة الطبيب الذي اعتاد الوصول مرتين في
الأسبوع إلى سانور وكذلك تم إغلاق فرع البريد، والبقالة
في حومش وشركة الكهرباء لا تصل إلى المستوطنة لإجراء
الإصلاحات اللازمة، وكذلك المواصلات العامة إلى سانور
توقفت عن العمل". علماً أن الصحيفة قد أشارت في هذا
الخبر إلى أن السفر لا يتم بدون ارتداء الخوذة والسترة
الواقية وأنه لا يمكن العيش في المستوطنة بدون مواصلات
أو بريد أو طبيب أو غذاء، وفي نفس الإطار "ادعى كبار
الضباط في الجيش أنه على ضوء تكاثر عمليات إطلاق النار
في شوارع الضفة الغربية لا يستطيع الجيش أن يضمن أمن
المستوطنات وان يواصل إدارة حياة طبيعية، وقال مصدر كبير
في القيادة الوسطى (إما أن يقولوا للمستوطنين أنكم
محاصرون أو أن يقدموا لهم حلاً، وبالوسائل التي أملكها
الآن لا أستطيع أن أقدم لهم حلاً)، والجيش قلق من أن بعض
مزودي السلع والخدمات مثل تنوفا، بيزك، شركة الكهرباء،
البريد، وآخرين يرفضون إدخال سيارات غير محصنة إلى
المناطق، ويعاني الجيش أيضاً من رفض المدنيين الدخول إلى
المناطق: في الآونة الأخيرة اضطر قسم التكنولوجيا والنقل
استئجار جرافات من شركات مدنية للقيام بأعمال الحفريات
والبنى التحتية بعد أن رفض أصحابها العمل في المناطق".
ولعل الأصوات الإسرائيلية تتزايد في حث حكومة إسرائيل
على ترك المستوطنات وإهمالها بعد النتائج التي حققتها
المقاومة في ضرب معاقل المستوطنين، وذلك لتفادي الإنهاك
الذي يحصل للجيش جراء ذلك فنجد أحدهم يقول في ذلك: "ليس
على حكومة إسرائيل أن تخوض حرباً اعتبارية حول
المستوطنات وأن تترك جنود جيش الدفاع يجسدون الأحلام
التي ينسبها المستوطنون إليهم، فعلى إسرائيل أن تدافع عن
مواطنيها على أرض دولة إسرائيل لأنها أقيمت من أجل هذا
الغرض، ومن يريد السكن في عوفرة أو في لوس أنجلوس فهو
يقوم بذلك على مسؤوليته".
في مقال للصحفي جدعون ليفي يقول في مضمونه: "الانتفاضة
الفلسطينية تترك آثارها في المشروع الاستيطاني، وأصوات
متزايدة من المستوطنين بدأت تتعالى مطالبة بمساعدتها في
الرحيل، وعلى حكومة شارون التي اعتبرتهم أبطال الأمس أن
تقدم لهم المساعدة من الآن لأنهم سيرحلون إن عاجلاً أم
آجلاً". فلو طالعنا الإحصاءات التي تنقلها لنا الصحف
الإسرائيلية لوجدنا الأزمة العميقة التي يمر بها المشروع
الاستيطاني في المناطق الفلسطينية وذلك للانخفاض الحاد
في شراء الشقق في المستوطنات من قبل المستوطنين الجدد،
إن لم نقل أن هناك اتجاهاً بارزاً لدى المستوطنين في بيع
ما يملكونه من شقق في مستوطنات الضفة الغربية وقطاع غزة
كنتيجة حتمية لما يصفونه بالتدهور الأمني الذي بات يهدد
قطاعاً كبيراً من المستوطنين، ولهذا نرى الحكومة
الإسرائيلية تهرول لحل هذه الأزمة من خلال العديد من
المبادرات حيث "جرى عرض للسيارات المحصنة ضد الرصاص في
القيادة الوسطى في القدس ودعي إليها أيضاً مندوبون عن
المستوطنين، وعرض في المعرض وسائل حماية طورت بمبادرة من
مستوطنة ألون موريه المجاورة لنابلس بتكلفة أقل، كما
تقرر في نقاش جرى في مكتب رئيس الحكومة تخصيص ميزانية
200 مليون شيكل لمشروع تحصين السيارات في الضفة". طبعاً
هذا المبلغ ضئيل جداً إذا ما قورن بتلك الميزانيات التي
تم إقرارها لحماية المستوطنين وتوفير الأسلحة اللازمة
لضمان أمنهم، "فعلى الرغم من كل الدلال الذي يحظى به
المستوطنون اليهود في الضفة الغربية وقطاع غزة، والدعم
المالي الكبير والحراسات المشددة من الجيش والشرطة،
فانهم يعيشون في حصار دائم، لا يشعرون بالاطمئنان على
حياتهم حتى ولو للحظة واحدة، وأوضاعهم الاقتصادية في
حالة شلل.. خلال غالبية أيام المواجهات لا يستطيع
المستوطنون مغادرة بيوتهم، فكل تنقل يحمل المخاطر:
(عملية شراء الخبز والحليب كل يوم تثير نقاشاً داخل
البيت، قد يتطور بسهولة إلى شجار وصدام، ما بالك عندما
يجري الحديث عن الخروج لشراء حذاء، فالكثير من ضرورات
الحياة باتت كماليات)، وفي بعض الأحيان لا يكون في البيت
ولا في الحانوت ولا في داخل المستوطنة حليباً أو خبزاً،
فالمزودون القادمون من المصانع الإسرائيلية ليسوا
مستعدين للوصول إلى المستوطنات في كل وقت، هم أيضاً
يخشون على حياتهم، مثل هذا الأمر يمكن أن يحدث مرة، أن
يستمر أسبوعاً أو شهراً ويكون محتملاً، لكن أن يستمر عدة
أشهر وعدة سنوات فلا يمكن احتماله".
"أما داخل إسرائيل، فقد بدأت أصوات مهمة، وفي طليعتها
عدة تصريحات لحركة السلام الآن، تدعو إلى الانسحاب من
المستعمرات، وفي جملة ذلك تفكيك مستعمرات غزة. وقد أظهرت
دراسة أجرتها "داحف"، في 5 يناير 2000، أن 63% من
الجمهور اليهودي كانوا يؤيدون إخلاء مستعمرات الأراضي
المحتلة إخلاءً كلياً أو جزئياً".، "ولم نتحدث بعد عن
الجنود الذين يتم إرسالهم إلى المستوطنات المغروزة في
قلب التجمعات السكانية الفلسطينية، للمحافظة على سلامة
المستوطنين من خلال تعريض حياتهم ـ أي الجنود للخطر ـ،
وكان هناك جنود لم يخشوا القول أنهم لا يريدون الخدمة في
هذه الأماكن وكان بينهم من رفض الخدمة فزج بهم في
السجون".
"في الآونة الأخيرة جمعت معطيات سرية عن "التسرب"
المتزايد من سكان مستوطنات الضفة الغربية وقطاع غزة إلى
داخل الأخضر في أعقاب الوضع الأمني المتدهور، مئات من
العائلات رحلت وتفرقت وآلاف العائلات الأخرى تفكر
بالعودة إلى الخط الأخضر ولكن معظمها محدودة الدخل أو لا
تستطيع الاحتفاظ بمنزل مع قرض إسكان إضافة إلى شقة
مستأجرة".(57) وها هو الاتحاد الأوروبي ينشر تقريراً تحت
عنوان "المستوطنون مستعدون لإخلاء المستوطنات" وقد جاء
في التقرير الذي وصف بأنه سري: "يوافق معظم المستوطنين
على مغادرة بيوتهم والعودة إلى الخط الأخضر بسبب التدهور
الأمني، وكان التقرير قد أعد من قبل موظفي مفوضية
الاتحاد الأوروبي الذين زاروا عدة مستوطنات من بينها
معاليه أدوميم، اريئيل، الحي اليهودي في الخليل، بسغوت،
غوش عتصيون وغوش قطيف".(58)
في النهاية لابد من الإشارة إلى بعض الأرقام والإحصاءات
الخاصة التى جاءت في استطلاع للرأي العام الإسرائيلي
أجراه معهد غالوب بالتعاون مع صحيفة معاريف الإسرائيلية
عدة أسئلة حول الاستيطان كانت على النحو التالي:
ـ على فرض أنه تحقق وقف النار كما تطالب إسرائيل فهل
برأيك ينبغي لإسرائيل أن تجمد الاستيطان وفقاً لتقرير
ميتشل؟ أجاب 56% بنعم وقال لا 37% ولا أدري 7% ـ عندما
نتطرق لأمن الدولة برمتها، هل المستوطنات في المناطق
تساهم اليوم في أمن الدولة أم تمس بأمنها؟ تساهم 41%، لا
تساهم: 44%، لا أدري: 15%
ـ هل تؤيد أم تعارض الجلاء من طرف واحد لجزء من
المستوطنات بحيث يمكن خلق مجال فصل ما بين إسرائيل
والمستوطنين؟ أؤيد 51%، أعارض 38%، لا أدري 11%
هذا الاستطلاع نشر في صحيفة معاريف في عددها الصادر
بتاريخ 7/7/2001.
ليس من المستغرب أن يكون هناك مثل هذه النتائج التي ما
كانت لتوجد لولا الضغط المتواصل والضرب الدائم للاستيطان
ومصالحه من قبل المقاومة الفلسطينية .. والذي جعل من
الرأي العام الإسرائيلي يرزح تحت الوقائع المفروضة على
الأرض والتي أحدثت توجهاً إسرائيلياً أوسع من ذي قبل
عنوانه الأبرز والأوضح هو التخلص من الاستيطان وأزماته
للإفلات من وطأة المقاومة التي اشتعلت جذوتها كنتيجة
حتمية لممارسات الاحتلال ومستوطنيه التي جعلت من المجتمع
الدولي أيضاً يجدد معارضته الدائمة للمستوطنات كما جاء
في تقرير لجنة ميتشل الذي يقول: "يجب على حكومة إسرائيل
أن تجمد كافة نشاطات الاستيطان بما في ذلك النمو الطبيعي
للمستوطنات القائمة. لا يمكن لنوع التعاون الأمني الذي
تريده حكومة إسرائيل أن يتعايش طويلاً مع النشاط
الاستيطاني، الذي وصفه الاتحاد الأوروبي مؤخراً بأنه
يسبب (قلقاً عظيماً)، والذي وصفته الولايات المتحدة
الأمريكية بأنه استفزازي".
واللافت للنظر أن آخر الإحصائيات تشير إلى أن نسبة أعداد
المستوطنين قد طرأ عليها انخفاض ملحوظ في المستوطنات
الواقعة في الأراضي الفلسطينية قياساً لما كان عليه
الوضع في العام 2000، وفيما يلي أرقاما تبين نسبة زيادة
عدد المستوطنين في بعض المستوطنات (يبين الرقم الأول
نسبة الزيادة عام 2000 فيما يبين الرقم الثاني نسبة
الزيادة عام 2001 وذلك حسب معايير سنوية):
المستوطنة العام
معاليه أدوميم
47% 2000
2.8% 2001
جبعات زئيف
6.2% 2000
1.9% 2001
ارئيل
3.5% 2000
2.1% 2001
أورنيت
6% 2000
1.5% 2001
افرات
3.2% 2000
1.5% 2001
ألون شابوت
20% 2000
7% 2001
بيت ايل
8.3% 2000
5.6% 2001
كرني شومرون
5.5% 2000
2.2% 2001
إن السرد المتواصل لما سبق من وقائع وأرقام ونتائج لا
يقف عند هذا الحد من الاهتزازات التي تم عرضها، وإنما
يتعدى ذلك إلى أن يصل حد تسميته بالزلزال السياسي الذي
أصاب عصب الحياة الإسرائيلية بكل مكوناتها واعتباراتها،
والتي تقف على رأسها الاعتبارات الأمنية والعسكرية، وما
يدور في فلكها من تأثيرات اقتصادية واجتماعية تكون في
مجموعها الشكل العام للسياسة الإسرائيلية، وهو مادفع
شارون للانسحاب من غزة والمقصود هنا أن ما تم تناوله من
أحداث ووقائع وأرقام هي في واقع الأمر لا تعدو عن كونها
وضعاً للنقاط على الحروف في مسألة تحتل مكانة متقدمة في
السياسة الإسرائيلية وما يقابلها في السياسة الفلسطينية
وتحديداً في ملف المفاوضات النهائية الذي يبدو أنه مهما
ابتعد في الوقت والفترة الزمنية المستقبلية إلا أنه حاضر
بصورة دائمة في الأجندة السياسية والشعبية لكلا
الجانبين.
وفي هذا المقام لابد من التأكيد على أن السياسة
الإسرائيلية الرسمية لا زالت على موقفها الرافض لأي
أفكار تتعلق بالتراجع عن سياسة الاستيطان التوسعية
بالرغم من الدعوات الصادرة حثيثاً من قبل المجتمع الدولي
وخصوصاً مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم
المتحدة، من خلال آخر توصية تصدر عن الجمعية العامة،
نقول: على الرغم من ذلك نجد أن التشدد والصلف الإسرائيلي
وتحديداً في ظل حكومة اليمين المتطرف بزعامة شارون قد
زاد تصلباً وتشدداً. بالرغم من الأغلبية الرافضة لسياسة
الانسحاب الأحادي الجانب فى نهاية شهر ابريل2004 |