|
لم يفق
أبناء الشعب العربى بعد من فاجعة اغتيال الشيخ الإمام
الشهيد أحمد ياسين في 22 (مارس) الماضي، حتى فجعوا مرة
أخرى باغتيال الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، الذي
لا تقل شعبيته عن شعبية الشيخ ياسين، لاسيما بين صفوف
أبناء حركة "حماس"،
واختلطت مشاعر الحزن بالفرح في نفوس المواطنين، الذين
توافدوا إلى مستشفى الشفاء فور سماعهم نبأ تعرض الدكتور
الرنتيسي لعملية اغتيال، حيث هتفوا فرحا حينما قيل إنه
لم يستشهد، ولكن سرعان ما تحول هذا الفرح إلى حزن شديد
وغضب، إثر الإعلان عن وفاة الرنتيسي متأثرا بجراحه.
فقد خرجت المسيرات في شوارع مدينة غزة تجوبها وهي تتوعد
بالثأر والانتقام لاستشهاد قائد "حماس" وفي غزة، ومن
قبله الشيخ ياسين زعيم الحركة ومؤسسها.
"صقر حماس" وفارسها يترجل :
وكان الدكتور الرنتيسي لا يخشى الاغتيال، لاسيما وأنه
وضع على رأس قائمة المطلوبين لدى سلطات الاحتلال
الإسرائيلي، وأنه قد تعرض لمحاولة اغتيال قبل نحو عشرة
أشهر، وكان دائما يقول إنه يتمنى الشهادة، و كان عميق
الإيمان بأن لكل أجل كتاب.
كما عرف الدكتور الرنتيسي بمواقفه الصلبة لدرجة، أنه كان
يفضل للبعض أن يطلق عليه لقب "الطبيب الثائر"، أو"صقر
حماس". لكن الفارس الذي ترجل بعد جهاد طويل، كان لينا مع
إخوانه في "حماس" لا يقطع أمرا من دون مشاورتهم، لدرجة
أن الدكتور الرنتيسي قال قبل حوالي ثلاثة أسابيع، في حفل
تأبين الشيخ ياسين في الجامعة الإسلامية "إلى الذين
يخشون الدكتور الرنتيسي، نقول لهم اطمئنوا فالقرار في
حماس قرار جماعي والقيادة جماعية".
وكان عبد العزيز علي عبد الحفيظ الرنتيسي قد ولد في 23
(أكتوبر) /1947 في قرية يبنا (بين عسقلان ويافا)، حيث
لجأت أسرته بعد حرب العام 1948 إلى قطاع غزة، واستقرت في
مخيم خان يونس للاجئين، وكان عمره وقتها 6 شهور. ونشأ
الرنتيسي بين 9 أخوة وأختين.
والتحق عبد العزيز الرنتيسي في سن السادسة بمدرسة تابعة
لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وقد
اضطرته ظروف عائلته الصعبة إلى العمل وهو في سن السادسة
ليساهم في إعالة أسرته الكبيرة. ورغم ذلك كان الشهيد
متميزاً في دراسته، حيث أنهى الدراسة الثانوية عام 1965،
وتوجه إلى مدينة الإسكندرية المصرية ليلتحق بجامعتها
ليدرس الطب فيها.
وأنهى الشهيد دراسته الجامعية بتفوق، وتخرج عام 1972،
وعاد إلى قطاع غزة. وبعد عامين عاد إلى الإسكندرية ليحصل
على الماجستير في طب الأطفال. وفي العام 1976 عاد للقطاع
ليعمل طبيباً مقيماً في مستشفى ناصر، (وهو المركز الطبي
الرئيسي في خان يونس). والدكتور الرنتيسي متزوج وأب لستة
أبناء اثنين من الذكور، وأربع من الإناث.
الطبيب المجاهد:
شغل الدكتور الرنتيسي عدة مواقع في العمل العام منها
عضوية هئية إدارية في المجمع الإسلامي، والجمعية الطبية
العربية بقطاع غزة (نقابة الأطباء)، والهلال الأحمر
الفلسطيني. وعمل في الجامعة الإسلامية في مدينة غزة منذ
افتتاحها عام 1978 محاضراً، يدرس علم الوراثة وعلم
الطفيليات.
وقد اعتقل الرنتيسي عام 1983 بسبب رفضه دفع الضرائب
لسلطات الاحتلال، وفي 5 (يناير) 1988 جرى اعتقاله لمدة
21 يوماً. وأسس والشيخ أحمد ياسين وبعضاً من نشطاء
الحركة الإسلامية في قطاع غزة تنظيم حركة المقاومة
الإسلامية "حماس" في القطاع عام 1987.
وفي 4 (فبراير) 1988 عادت قوات الاحتلال لتعتقله، حيث ظل
محتجزاً في سجون الاحتلال لمدة عامين ونصف العام، على
خلفية المشاركة في أنشطة معادية للاحتلال. وأطلق سراحه
في 4 (سبتمبر) عام 1990. وفي 14 (ديسمبر) 1990 اعتقل مرة
أخرى إدارياً، وظل في الاعتقال الإداري لمدة عام.
في 17 (ديسمبر) 1992 أبعد مع 400 من نشطاء وكوادر حركتي
"حماس" والجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان، حيث برز هناك
ناطقا رسميا باسم المبعدين الذين رابطوا في مخيم العودة
في منطقة مرج الزهور، في جنوب لبنان، لإرغام سلطات
الاحتلال على إعادتهم، وتعبيراً عن رفضهم قرار الإبعاد
الإسرائيلي، ونجحوا في ذلك.
وقد اعتقلته سلطات الاحتلال فور عودته من مرج الزهور،
وأصدرت محكمة عسكرية إسرائيلية عليه حكماً بالسجن، حيث
ظل محتجزاً حتى أواسط العام 1997.
الدكتور الرنتيسي تمكّن من إتمام حفظ كتاب الله في
المعتقل و ذلك عام 1990 بينما كان في زنزانة واحدة مع
الشيخ المجاهد أحمد ياسين ، و له قصائد شعرية تعبّر عن
انغراس الوطن و الشعب الفلسطيني في أعماق فؤاده ، و هو
كاتب مقالة سياسية تنشرها له عشرات الصحف .
و لقد أمضى معظم أيام اعتقاله في سجون الاحتلال و كلّ
أيام اعتقاله في سجون السلطة في عزل انفرادي ...
من سجون الاحتلال إلى سجون السلطة:
خرج من المعتقل ليباشر دوره في قيادة "حماس"، التي كانت
قد تلقّت ضربة مؤلمة من السلطة الفلسطينية عام 1996، و
أخذ يدافع بقوة عن ثوابت الشعب الفلسطيني، وعن مواقف
الحركة، ويشجّع على النهوض من جديد.
وقد اعتقلته السلطة الفلسطينية بعد أقل من عام من خروجه
من سجون الاحتلال، وذلك بتاريخ 10 (أبريل) 1998، وأفرج
عنه بعد 15 شهراً، بسبب وفاة والدته، وهو في المعتقلات
الفلسطينية، ثم أعيد للاعتقال بعدها ثلاث مرات، ليفرَج
عنه، بعد أن خاض إضراباً عن الطعام، وبعد أن قُصِف
المعتقل الذي كان فيه من قبل طائرات إسرائيلية، وهو في
غرفة مغلقة في السجن المركزي، لينهي بذلك ما مجموعه 27
شهراً في سجون السلطة الفلسطينية.
حاولت السلطة الفلسطينية بعد ذلك اعتقاله مرتين، ولكنها
فشلت بسبب حماية الجماهير الفلسطينية لمنزله.
وفي العاشر من (يونيو) 2003 نجا صقر "حماس" من محاولة
اغتيال نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، وذلك في هجوم
شنته طائرات مروحية إسرائيلية على سيارته، حيث استشهد
أحد مرافقيه وعدد من المارة بينهم طفلة.
وفي الرابع والعشرين من (مارس) 2004، وبعد يومين على
اغتيال الشيخ ياسين، اختير الدكتور الرنتيسي زعيما لحركة
"حماس" في قطاع غزة، خلفا للزعيم الروحي للحركة الشهيد
الشيخ أحمد ياسين. واستشهد الدكتور الرنتيسي مع اثنين من
مرافقيه في 17 (أبريل) 2004 بعد أن قصفت سيارتهم في
مدينة غزة، ليختم حياة حافلة بالجهاد بالشهادة.
وكان الدكتور الرنتيسي ـ رحمه الله ـ يؤمن أن فلسطين لن
تتحرّر إلا بالجهاد في سبيل الله .
|