مذبحة قانا

 

العدد 18

عناقيد الغضب .. ويل وهول - قانا .. بقعة حمراء على ثوب البشرية  -  قانا جريمة حرب دولية  -  قانا وثيقة على عنصرية اسرائيل - الضحية سيتحول الى جلاد -  البوم الصور  -  الرئيسية

مجزرة قانا .. جريمة من جرائم الحرب الدولية

يدرج القانون الدولي، مجزرة قانا في عداد الجريمة الدولية، وهو الامر الذي يفضي الى محاكمة منفذيها.

ويصف القانون الدولي الجريمة الدولية، بانها تمس اساس المجتمع الدولي نفسه، ويمكن استخلاص خطورتها من طابع الفعل المميز بالقسوة الوحشية، او من اتساع اثاره الضارة، او من الدافع الى ارتكابه كجريمة ضد الانسانية.

ومن الاسس المقررة في الجرائم الدولية، استبعاد الحصانات التي يتمتع بها رؤساء الدول والمسؤولين والبعثات الدبلوماسية.. التى قد تكون مسئولة عنها .

وتتميز الجرائم الدولية عن غيرها، بانها تنتج عن فعل مدبر من جانب دولة معينة، تعتمد في تنفيذها على قواتها العسكرية و قدراتها ووسائلها الخاصة.

ومجزرة قانا التي ارتكبتها القوات "الاسرائيلية" في أبريل العام 1996، تخضع لهذا الاطار.. وهو ماسنحاول تقديمه فى العرض التالى :


تطور فكرة المسؤولية الدولية :


تميزت العلاقات الدولية في المجتمعات القديمة بالعداء والكراهية والتناحر، وسادت بين الدول شريعة القوة، فقد اجازت لنفسها حماية مصالحها بالطريقة التي تراها مناسبة، وبعد خطوات متلاحقة في تطور المفاهيم الانسانية بدأت منذ العصور الوسطى مرحلة نواة مجتمع دولي لم يكن معروفا في السابق، ولعبت الكنيسة في أوروبا دورا مميزا في ارساء بعض الاسس المتطورة في اعقاب الحروب واهوالها وسياسة الامراء الذين سخروا كل شيء في سبيل مصالحهم الخاصة على قاعدة ان الغاية تبرر الوسيلة مهما كانت صورتها الانسانية قاتمة.

وساهم الفقهاء في وضع قواعد للتعامل على الصعيد الدولي خاصة خلال الازمات والحروب، ويمكن ان نذكر في هذا المجال "فرنسيكو دي فيتوريا" من أسبانيا، وجريوتيوس" من هولندا، و"دوفاتل" من سويسرا، وقد تمخضت الافكار عن بروز امرين اساسيين"

الاول: اعتماد النظام الدبلوماسي.

الثاني: اللجوء الى التحكيم لحل النزاعات بالطرق السلمية.

كما ترتب على عصر النهضة وقيام الدولة الحديثة ولادة مناخ دولي جديد مهد الى وضع معاهدات على المستوى الدولي اهمها: معاهدة وستفالي (1684) التي ارست فكرة التوازن الدولي، ومعاهدة اوترخت (1713) التي تضمنت حقوق المحايدين وواجباتهم، ومعاهدة الحياد (الدانمارك - السويد - روسيا) (1780) التي تضمنت مبادئ المساواة والحرية الدينية.

واعتبرت معاهدة فيينا (1815) في اعقاب هزيمة الامبراطور الفرنسي نابليون بونابرت من الخطوات التمهيدية التي تقررت بموجبها مسؤولية رؤساء الدول عن اعمالهم ضد السلام، فقد ورد فيها بان نابليون بونابرت وضع نفسه خارج العلاقات الاجتماعية والمدنية كعدو للانسانية، اذ انتهك سلام العالم وعرض نفسه للمسؤولية العقابية العلنية.



نواة الجرائم الدولية :


وقعت بعض الاتفاقات ومنها اتفاقية جنيف (1864)، واتفاقيات لاهاي (1899-1907)، وقد تمخض عنها وضع قواعد لحماية المدنيين في زمن الحرب وكرست مبدأ فض المنازعات بالطرق السلمية وانشاء محكمة التحكيم الدائمة، واعتبرت اتفاقيات لاهاي على وجه اخص بانها اوجدت النواة الاساسية لفكرة الجريمة الدولية من خلال اعتمادها قواعد محددة لحقوق المدنيين والجرحى والمرضى والاسرى، ورغم ذلك لم تنص على الجزاءات الواجب تطبيقها على الدول التي تخالف الالتزامات التي ترتبط بها.

واندلعت الحرب العالمية الاولى، ولم تتقيد الدول المتحاربة باحكام المعاهدات الدولية وتعرض الابرياء والرهائن من المدنيين للقتل والتعذيب مما دفع بالمسؤولين الى المناداة بتوقيع الجزاء على الاخلال بالالتزامات الدولية. وعلى سبيل المثال صرح رئيس وزراء فرنسا في 5 (مايو) سنة 1917 بانه لن يطالب بعد تحقيق النصر بالانتقام ولكن بتحقيق العدالة لانه لا يجوز ان تمر الجرائم بدون عقاب. كما وردت مثل هذه التصريحات من المسؤولين في بريطانيا والولايات المتحدة الاميركية.

وشكل المؤتمر التمهيدي للسلام الذي عقد في باريس بتاريخ 25 (يناير) 1919 "لجنة المسؤوليات" التي اوصت بوجوب معاقبة كل المسؤولين عن الاخلال بقواعد الحرب المعروفة في المعاهدات الدولية دون تمييز بين الاشخاص ومهما علت وظائفهم بما فيهم رؤساء الدول .

وقعت معاهدة السلام في فرساي بتاريخ 28 (يونيو) 1919، ونصت المادة (227) منها على اتهام غليوم الثاني امبراطور المانيا السابق بالجريمة العظمى ضد الاخلاق الدولية وقدسية المعاهدات، وبالتالي محاكمته امام محكمة خاصة تتكون من خمسة قضاة يوكل اليها فرض وتطبيق العقوبات التي تراها مناسبة، واعتبر هذا الامر تحولا بارزا في تاريخ العلاقات الدولية، اذ اوجد فكرة المسؤولية والجزاء بصورة واضحة ومؤكدة، رغم الخلل الذي شابه على الصعيد العملي اذ ان الامبراطور الالماني لجأ الى هولندا وامتنعت هذه الاخيرة عن تسليمه لعدة اعتبارات ومنها ان التسليم يتعارض مع دستورها وقوانينها .

وظهر عهد عصبة الامم كتنظيم دولي بعد الحرب العالمية الاولى من اجل تجنب الحروب والكوارث الناتجة عنها، وقد تضمن في نصوصه التي اصبحت سارية المفعول بتاريخ 10 (ديسمبر) 1920 وجوب صيانة السلم العالمي والتزام الدول باللجوء الى الطرق السلمية لحل نزاعاتها، وتوقيع العقاب على الدول المعتدية .

كما صدر قرار الجمعية العامة لعصبة الامم بالاجماع في 24 (ديسبمر) 1927 وجاء فيه: "بان دول العصبة تتضامن فيما بينها وتؤكد عزمها على حماية السلم العالمي، ولا تقر الحرب العدوانية كوسيلة لفض المنازعات بل تعدها جريمة دولية"..

وعلى صعيد الهيئات العلمية نادت بانشاء قضاء جنائي دولي يتولى التحقيق والحكم في الجرائم الدولية، ومن هذه الهيئات جمعية القانون الدولي التي اقرت هذا المبدأ في المؤتمر الذي عقد في بيونس ايريس سنة 1922، والاتحاد البرلماني الدولي الذي اعتمد المبدأ نفسه في جنيف عام 1924، والجمعية الدولية للقانون الجنائي التي سارت بنفس الاتجاه في مؤتمر بروكسل سنة 1926.



الجرائم الدولية وفترة الحرب العالمية الثانية :


لم تنجح كثرة المعاهدات في ترسيخ السلام على ركائز ثابتة ومتينة، ولم تستطع عصبة الامم وقف التدهور الحاصل على المستوى الدولي والاخلال بالسلم العالمي، واشتعل فتيل الحرب بصورة شاملة، وباتت التصريحات الصادرة عن المسؤولين تشكل اساسا جديدا للمسؤولية الجزائية عن الجرائم الدولية خاصة في وقت الحرب، وعلى سبيل المثال فان الرئيس الاميركي روزفلت صرح في 25 (اكتوبر) 1941 "بان الارهاب والترويع لا يمكن ان يجلب السلام الى دول اوروبا، انه لا يفعل شيئا سوى بث بذور الحقد الذي سيؤدي يوما الى قصاص رهيب..". كما صرح رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل بانه يجب ان يكون الجزاء عن الجرائم من الان من بين المقاصد الاساسية للحرب..، كما تضمنت مذكرة وزير خارجية الاتحاد السوفييتي بتاريخ 6-1-1942 التأكيد على المسؤولية والعقاب على الحكومة الهتلرية ومن تضامن معها، واكد تصريح سان جيمس بالاس بتاريخ 13-1-1943 ، بان هذه القوى تضع من بين مقاصدها العقاب من خلال قنوات عادلة ومنظمة للمجرمين والمسؤولين عن جرائم الحرب سواء امروا بها او نفذوها او ساهموا في ارتكابها.

وابرز تصريح صدر خلال هذه الفترة هو تصريح موسكو في 30 (اكتوبر) 1943 عن الرؤساء روزفلت - تشرشل - ستالين، وارسى قواعد اكثر تحديدا في مجال المسؤولية الجنائية الدولية ومحاكمة المجرمين بشكل حاسم، فلا انتظام ولا عفو بل محاكمة تطال كل من ارتكب جريمة دولية، او جرائم ضد الانسانية وقد تكرر الهدف نفسه في مؤتمرات يالطا وبوتسدام، ولندن وهى المؤتمرات المؤسسة للامم المتحدة .

وتشكلت محكمة عسكرية دولية لمحاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية وفق ما ورد في النظام الملحق باتفاقية لندن، ومن هذه الجرائم قتل المدنيين والرهائن وسوء معاملتهم والابادة والاسترقاق والابعاد، وقد اوجزت اللائحة الموضوعة، الاحكام الموضوعية والاجرائية لاول انجاز دولي لمحكمة دولية تتولى اصدار احكامها بالاستناد الى اسباب معينة سواء انتهت الى تقرير البراءة او تقرير الادانة، وتعتبر قطعية وغير قابلة للطعن .

وبموجب اتفاقية لندن تشكلت المحكمة وعقدت اول جلساتها في مدينة "نورمبرغ" الالمانية وسميت المحاكمات بهذا الاسم في سجلات التاريخ المعاصر التي بدأت في 20 (اغسطس) 1946، واصدرت تبعا لذلك احكاما بالإعدام وبالسجن المؤبد والسجن المؤقت عن جرائم المؤامرة وجرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية وضد السلام.

كما انشئت محكمة طوكيو في 19 (يناير) 1946 واصدرت احكاما على بعض كبار المسؤولين اليابانيين بموجب لائحة اعدتها القيادة العليا للقوات المتحالفة.

كما بدأت خلال هذه الفترة الحديثة (7 (مايو) 1996)، المحاكمات عن جرائم دولية ارتكبت خلال الحرب الاهلية في يوغسلافيا ضد المدنيين الابرياء وهي تشكل وفق المفهوم الدولي جرائم ضد الانسانية .

وهكذا اعتبرت "محاكمات نورمبرج" رسالة الى المستقبل يرجى منها ان تكون خطوة رادعة من شأنها ان تمنع الحكام من عزمهم على المضي في ارتكاب جرائم ضد الانسانية ، كما نعتبر ان المحاكمات اللاحقة ومنها المحاكمات الدولية التي تجري في يوغسلافيا تصب في الاتجاه نفسه وتكرس المسؤولية الجنائية للدول في عصرنا الحالي.



خصائص الجرائم الدولية :


وصفت لجنة القانون الدولي الجريمة الدولية بانها تمس اساس المجتمع البشري نفسه، ويمكن استخلاص خطورتها من طابع الفعل المميز بالقسوة والوحشية او من اتساع اثاره الضارة، او من الدافع الى ارتكابه كجريمة ابادة الجنس البشري، او من اجتماع بعض هذه العوامل او كلها، ومثل هذه الخطورة تشكل الركن الاساسي للجريمة المخلة بسلم الانسانية وامنها.

وتتميز الجرائم الدولية كونها توجب تسليم المجرمين الدوليين، وهذا ما اكدته معاهدة فرساي (1919)، وقرارات الامم المتحدة ، ومن ناحية أخرى لا تسري احكام مرور الزمن على الجرائم الدولية فتبقى المسؤولية عنها قائمة مهما مر من زمن على ارتكابها .



المصدر د. علي محمد جعفر
استاذ في كلية الحقوق - الجامعة اللبنانية
من موقع هيئة دعم المقاومة الاسلامية



 

   اتصل بنا                 

Copyright © 2003 - Kabreet.com. All rights reserved to IMG

الرئيســية