|
قررت الولايات المتحدة
والاتحاد الاوروبى والناتو ( حلف شمال الاطلسى ) مناقشة طرح مبادرة
للاصلاح السياسى والديموقراطى فى العالم العربى فيما أسموه " الشرق
الاوسط الكبير " خلال ثلاث قمم تعقد فى شهر يونيو القادم تباعاً وهى قمة
الدول الصناعية الثمانيه فى اتلانتا والاتحاد الاوروبى ببروكسل والناتو
فى اسطنبول 00
يأتى طرح مشروع الشرق الاوسط الكبير فى وقت تعرضت فيه السياسة الامريكية
لضربة موجعة فى مصداقيتها بعدما ثبت عدم صحة ماتردد حول حيازة العراق
أسلحة دمار شامل وهو الزعم الذى كانت امريكا وبريطانيا تستندان عليه لشن
حربها على العراق 00 ومن ثم تلقى الشكوك فى مصداقية الاتهامات التى وجهت
للعراق ( كنموذج ) بظلالها على مبادرات الاصلاح السياسى والديموقراطية فى
الشرق الاوسط كما توفر السياستان الامريكية والبريطانية اسباباً اضافية
للشكوك وذلك بطرح قانون " الاشتباه " الذى يسمح بأعتقال اشخاص ربما يكون
لديهم " نيات " بارتكاب اعمال ارهايبة تظل هى حتى الان بدون تعريف 0
يأتى الحديث عن مبادرات الاصلاح والديموقراطية فى وقت تتعرض فيه المفاهيم
الثابته فى ضمير الانسانية الى تغيير وتبديل فالمقاومة المشروعة تجولت
الى ارهاب 00 وتحول انتهاك السيادة الى تحرير 00وتحول المبدء الثابت من
ان المتهم برىء حتى تثبت ادانته الى المتهم مدان حتى يثبت هو براءته 0
ان الولايات المتحدة التى كانت تمثل واحة الديموقراطية فى العالم تستخدم
الان مئات من القوانين المقيدة للحرية والتى تبيح الاعتقال بدون ابداء
اسباب وتبيح التجسس على المكالمات الخاصة للاشخاص والتجمعات ايأ كانت
وتعقب من تراه خطراً على الامن العام وكل ذلك هى من الاجراءات التى كانت
تدينها فى دول العالم الثالث 00 فكيف ستحاول فرض قواعد اصبحت هى فى حل
منها الآن ؟؟؟
لكن مايثير الدهشة هو طرح الحديث عن الشرق الاوسط الكبير فى منتديات
الناتو والثمانية الصناعية والاتحاد الاوروبى قبل طرحه على المقصودين به
من الدول العربية اساساً فماذا سيطرحون وعلى من ؟؟؟
وتحمل هذه "الشراكة من دون شريك" في طياتها مشروعاً اميركياً لتغيير
انظمة الحكم وادارة شؤون الشرق الاوسط من منظور الادارة الاميركية التي
ستجعل منه ركيزة للحملة الانتخابية للرئيس جورج بوش.
وتحدد ورقة العمل هدف المشروع بـ "الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة
الامنية ومصالح حلفائها", وتركز على الدفع باتجاه "اعادة تشكيل" منطقة
الشرق الاوسط عبر الاصلاح الاقتصادي والاجتماعي. واذ تتحدث الورقة عن
"تشجيع الديموقراطية والحكم الصالح" فإنها ترمي الى تغيير سياسي على
المدى الطويل, وهو ما سبق لكثيرين من المسؤولين الاميركيين ان اشاروا
اليه بمعنى "تغيير الانظمة", لكنه "تغيير بمنظور اميركي ووفقاً لتقويم
اميركي لمنطقة واسعة, تعتبرها واشنطن ذات نمط واحد ولا تمايز فيها" وفقاً
لملاحظات محللين سياسيين رأوا فيه ايضاً "مشروعاً قائماً على فرض نموذج
وقيم اميركية بشكل ابوي, ويحمل في طياته خطراً حقيقياً نظراً الى تعقيد
الامور في دول المنطقة التي بدأت مساراً اصلاحياً في ظل وضع معقد وحساس".
ولا تتضمن ورقة العمل اي اشارة الى موافقة المنطقة على المشروع الذي لا
يمكن ان يكون أكثر فاعلية لو حظي بتشاور أوسع. لذا يطرح المحللون تساؤلات
عن سبل انجاح مثل هذه الشراكة من دون حل للصراع العربي ـ الاسرائيلي وفي
غياب الاستقرار في العراق.
واذ توحي الخطوة الاميركية بأن مجموعة الدول الثماني تحولت حلفا سياسيا
للحفاظ على مصالح تعتبرها الادارة الاميركية "مشتركة", فإن الدول
الصناعية نفسها لم تستشر مسبقاً. ويقول خبير اوروبي ان ما حاولت اوروبا
تجنبه من خلال رفضها الحرب على العراق قد تجد نفسها مضطرة اليه من خلال
تورطها في هذه "الشراكة" المبهمة التي قد تحول مجموعة الـ 8 اداة لهيمنة
الولايات المتحدة التامة على اوروبا التي تمثل احياناً للدول العربية
بديلاً من سياسة اميركية غير مقبولة في الشرق الاوسط.
وتستند ورقة العمل الاميركية الى تقرير عامي 2002 و2003 لبرنامج التنمية
التابع للامم المتحدة بشأن العالم العربي, لكنها تختار منه ما يناسبها.
ومع ان تقرير التنمية هذا يشير الى ان الاحتلال الاسرائيلي عائق اساسي
امام التنمية في العالم العربي, الا ان الورقة لا تأتي على ذكر هذا
الصراع. وعلى رغم ان تقرير التنمية يختص بالعالم العربي, الا ان الورقة
الاميركية تقدم الشرق الاوسط على أنه المنطقة الممتدة من المغرب الى
باكستان, وتشمل ايضاً افغانستان وتركيا وايران واسرائيل.
ولاحظ محللون ان الورقة ترى كل هذه الدول كأنها متماثلة, وان الاصلاح
يمكن ان يطبّق عليها بشكل واحد, في حين ان لكل من هذه الدول التي يجمع
بينها الاسلام, باستثناء اسرائيل, خصوصيات تميزها بعضها عن بعض.
وتفصل الورقة الاميركية اولويات مشتركة للاصلاح في ثلاثة اتجاهات: 1-
تشجيع الديموقراطية والحكم الصالح. 2- بناء مجتمع معرفي. 3- توسيع الفرص
الاقتصادية. وهي تركز في مجال تشجيع الديموقراطية على: مبادرة الانتخابات
الحرة, تعزيز دور البرلمانات, زيادة مشاركة النساء في الحياة السياسية
والمدنية, المساعدة القانونية للناس العاديين, مبادرة وسائل الاعلام
المستقلة, مكافحة الفساد, حرية العمل لمنظمات المجتمع المدني وتعزيزها
تمويلاً وتقنياً. وبالنسبة الى الاتجاه الثاني (بناء مجتمع معرفي) تركز
الورقة على: مبادرة التعليم الاساسي (محو الامية), واصلاح التعليم,
والتعليم بالانترنت, وتدريس ادارة الاعمال. أما في شأن الاتجاه الثالث
(توسيع الفرص الاقتصادية) فتركز على: 1- مبادرة تمويل النمو عبر: اقراض
المشاريع الصغيرة و"مؤسسة المال للشرق الأوسط الكبير" و"بنك تنمية الشرق
الأوسط الكبير" و"تنفيذ خطط الاصلاح التي تخفض سيطرة الدولة على الخدمات
المالية"... 2- مبادرة التجارة (الانضمام الى منظمة التجارة الدولية,
المناطق التجارية, مناطق رعاية الاعمال...).
***يمثل "الشرق الاوسط الكبير" تحدياً وفرصة فريدة للمجتمع الدولي.
وساهمت "النواقص" الثلاثة التي حددها الكتاب العرب لتقريري الامم المتحدة
حول التنمية البشرية العربية للعامين 2002 و2003 - الحرية, المعرفة,
وتمكين النساء - في خلق الظروف التي تهدد المصالح الوطنية لكل اعضاء
مجموعة الـ8. وطالما تزايد عدد الافراد المحرومين من حقوقهم السياسية
والاقتصادية في المنطقة, سنشهد زيادة في التطرف والارهاب والجريمة
الدولية والهجرة غير المشروعة. ان الاحصائيات التي تصف الوضع الحالي في
"الشرق الاوسط الكبير" مروعة:
* مجموع اجمالي الدخل المحلي لبلدان الجامعة العربية الـ22 هو اقل من
نظيره في اسبانيا.
* حوالي 40 في المئة من العرب البالغين - 65 مليون شخص - اميون, وتشكل
النساء ثلثي هذا العدد.
* سيدخل اكثر من 50 مليوناً من الشباب سوق العمل بحلول 2010, وسيدخلها
100 مليون بحلول 2020. وهناك حاجة لخلق ما لا يقل عن 6 ملايين وظيفة
جديدة لامتصاص هؤلاء الوافدين الجدد الى سوق العمل.
* اذا استمرت المعدلات الحالية للبطالة, سيبلغ معدل البطالة في المنطقة
25 مليوناً بحلول 2010.
* يعيش ثلث المنطقة على اقل من دولارين في اليوم. ولتحسين مستويات
المعيشة, يجب ان يزداد النمو الاقتصادي في المنطقة اكثر من الضعف من
مستواه الحالي الذي هو دون 3 في المئة الى 6 في المئة على الاقل.
* في امكان 6,1 في المائة فقط من السكان استخدام الانترنت, وهو رقم اقل
مما هو عليه في اي منطقة اخرى في العالم, بما في ذلك بلدان افريقيا جنوب
الصحراء الكبرى.
* لا تشغل النساء سوى 5,3 في المائة فقط من المقاعد البرلمانية في
البلدان العربية, بالمقارنة, على سبيل المثال, مع 4,8 في المئة في
افريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
* عبّر 51 في المائة من الشبان العرب الاكبر سناً عن رغبتهم في الهجرة
الى بلدان اخرى, وفقاً لتقرير التنمية البشرية العربية للعام 2002,
والهدف المفضل لديهم هو البلدان الاوروبية.
وتعكس هذه الاحصائيات ان المنطقة تقف عند مفترق طرق. ويمكن للشرق الاوسط
الكبير ان يستمر على المسار ذاته, ليضيف كل عام المزيد من الشباب
المفتقرين الى مستويات لائقة من العمل والتعليم والمحرومين من حقوقهم
السياسية. وسيمثل ذلك تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة, وللمصالح
المشتركة لاعضاء مجموعة الثماني.
البديل هو الطريق الى الاصلاح. ويمثل تقرير التنمية البشرية العربية
نداءات مقنعة وملحة للتحرك في الشرق الاوسط الكبير. وهي نداءات يرددها
نشطاء واكاديميون والقطاع الخاص في ارجاء المنطقة. وقد استجاب بعض
الزعماء في الشرق الاوسط الكبير بالفعل لهذه النداءات واتخذوا خطوات في
اتجاه الاصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وأيدت بلدان مجموعة
الثماني, بدورها, هذه الجهود بمبادراتها الخاصة للاصلاح في منطقة الشرق
الاوسط. وتبيّن "الشراكة الاوروبية المتوسطية", و"مبادرة الشراكة بين
الولايات المتحدة والشرق الاوسط", وجهود اعادة الاعمار المتعددة الاطراف
في افغانستان والعراق التزام مجموعة الثماني بالاصلاح في المنطقة.
ان التغيرات الديموغرافية المشار اليها اعلاه, وتحرير افغانستان والعراق
من نظامين قمعيين, ونشوء نبضات ديموقراطية في ارجاء المنطقة, بمجموعها,
تتيح لمجموعة الثماني فرصة تاريخية. وينبغي للمجموعة, في قمتها في سي
آيلاند, ان تصوغ شراكة بعيدة المدى مع قادة الاصلاح في الشرق الاوسط
الكبير, وتطلق رداً منسّقاً لتشجيع الاصلاح السياسي والاقتصادي
والاجتماعي في المنطقة. ويمكن لمجموعة الثماني ان تتفق على اولويات
مشتركة للاصلاح تعالج النواقص التي حددها تقرير الامم المتحدة حول
التنمية البشرية العربية عبر:
* تشجيع الديموقراطية والحكم الصالح.
* بناء مجتمع معرفي.
* توسيع الفرص الاقتصادية.
وتمثل اولويات الاصلاح هذه السبيل الى تنمية المنطقة: فالديموقراطية
والحكم الصالح يشكلان الاطار الذي تتحقق داخله التنمية, والافراد الذين
يتمتعون بتعليم جيد هم ادوات التنمية, والمبادرة في مجال الاعمال هي
ماكينة التنمية.
وسنشير فيما بعد بتوسع إلى نص مبادرة الشرق الأوسط الكبير
المصدر :
جريدة الحياة اللندنية _ فبراير 2004
|